علي بن محمد البغدادي الماوردي
177
أدب الدنيا والدين
فلا تحتقر نفسي وأنت خليلها * فكل امرئ يصبو إلى من يشاكل وقال آخر : فقلت : أخي قالوا : أخ من قرابة * فقلت لهم : إن الشكول أقارب نسيبي في رأيي وعزمي وهمتي * وإن فرّقتنا في الأصول المناسب ثم يحدث بالجانس المواصلة بين المتجانسين وهي المرتبة الثانية من مراتب الإخاء وسبب المواصلة بينهما ووجود الاتفاق منهما فصارت المواصلة نتيجة التجانس والسبب فيه وجود الاتفاق لأن عدم الاتفاق منفر . وقد قال الشاعر : الناس إن وافقتهم عذبوا « 1 » * أولا فإن جناهم مر كم من رياض لا أنيس بها * تركت لأن طريقها وعر ثم يحدث عن المواصلة رتبة ثالثة وسببها الانبساط ثم يحدث عن المؤانسة رتبة رابعة وهي المصافاة وسببها خلوص النية ورتبة خامسة وهي المودّة وسببها الثقة وهذه الرتبة هي أدنى الكمال في أحوال الإخاء وما قبلها أسباب تعود إليها فإن اقترن بها المعاضدة فهي الصداقة ثم يحدث عن المودّة رتبة سادسة وهي المحبة وسببها الاستحسان فإن كان الاستحسان لفضائل النفس حدثت رتبة سابعة وهي الاعظام وإن كان الاستحسان للصورة والحركات حدثت رتبة ثامنة وهي العشق وسببه الطمع . وقد قال المأمون رحمه اللّه تعالى : أوّل العشق مزاح وولع * ثم يزداد إذا زاد الطمع كل من يهوى وإن عالت « 2 » به * رتبة الملك لمن يهوى تبع وهذه الرتبة آخر الرتب المعدودة وليس لما جاوزها رتبة مقدّرة ولا حالة محدودة لأنها قد تؤدّي إلى ممازجة النفوس وإن تميزت ذواتها وتفضي إلى مخالطة الأرواح وإن تفارقت أجسادها وهذه حالة لا يمكن حصر غايتها
--> ( 1 ) عذبوا : أي صاروا عذبا طيبا مستساغا من العذوبة . ( 2 ) عالت به : افتخرت وتزينت به لفضائله في نفسه .